الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
385
تفسير روح البيان
ومنها ابتليناك بابنتي شعيب واحتياجهما إليك في سقى غنمهما فلولا حفظناك لملت إليهما ميل البشر للنساء ومنها ابتليناك بخدمة شعيب وصحبته واستجاره فوفقناك للخروج من عهدة حقوقه وعهوده قال بعض الكبار اختبره في مواطن كثيرة ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه به فأول ما ابتلاه اللّه به قتل القبطي بما ألهمه اللّه في سره وان يعلم بذلك الإلهام ولكن كان فيه علامة ذلك وهو ان لم يجد في نفسه مبالاة بقتله فعدم مبالاته بقتله مع عدم انتظاره الوحي علامة كونه ملهما به في السر والا ينبغي ان يعتريه وحشة عظيمة من ذلك الفعل وانما قلنا إنه عليه السلام كان ملهما في قتل القبطي لان باطن النبي معصوم من أن يميل إلى امر ولم يكن مأمورا به من عند ربه وان كان في السر ولكون النبي معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يخبر بان ذلك الأمر مأمور به في السر أراه الخضر حين قصد تنبيهه على ما ذهل عنه من كونه ملهما بقتل القبطي قتل الغلام فأنكر عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطي فقال له الخضر ما فعلته عن امرى ينبهه على مرتبته قبل ان ينبأ انه كان معصوم الحركة في قتله في نفس الأمر وان لم يشعر بذلك وأراه أيضا حرق السفينة الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب جعل له ذلك في مقابلة التابوت الذي كان في اليم مطبقا عليه فان ظاهره هلاك وباطنه نجاة وانما فعلت به أمه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون ان يذبحه مع الوحي الذي ألهمها اللّه من حيث لا تشعر فوجدت في نفسها انها ترضعه فإذا خافت عليه ألقته في اليم وغلب على ظنها ان اللّه ربما رده إليها لحسن ظنها به وقالت حين ألهمت ذلك لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يده فعاشت وسرت بهذا التوهم والظن بالنظر إليها إذ لم يكن عندها دليل يفيد العلم بذلك وهذا التوهم والظن علم باعتبار ان متعلقه حق مطابق للواقع متحقق في نفس الأمر فَلَبِثْتَ سِنِينَ عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ اى عند شعيب لرعى الأغنام لان شعيبا انكحه بنته صفوراء على أن يخدمه ثماني سنين فخدمه عشرا قضاء لأكثر الأجلين كما يأتي في سورة القصص ومدين على ثماني مراحل من مصر وذكر اللبث دون الوصول إليهم إشارة إلى مقاساة شدائد أخرى في تلك السنين كايجار نفسه ونحوه مما كان من قبيل الفتون . وفي التأويلات النجمية فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ لتستحق بتربية شعيب وملازمته النبوة والرسالة : قال الحافظ شبان وادي أيمن كهى رسد بمراد * كه چند سال بجان خدمت شعيب كند * يقول الفقير انظر كيف ان اللّه تعالى جعل في الأمر المكروه امرا محبوبا فان قتل القبطي ساق موسى إلى خدمته شعيبا إلى أن استعد للنبوة وقس على هذا ما عداه وإذا كانت النبوة مما يقدم لها الخدمة مع كونها اختصاصا الهيا فما ظنك بالولاية ثُمَّ جِئْتَ اى الوادي المقدس بعد ضلال الطريق وتفرق الغنم في الليلة المظلمة ونحوها عَلى قَدَرٍ تقدير قدرته لان أكلمك واستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة وفي الحديث ( ما بعث اللّه نبيا الا على رأس أربعين سنة ) كما في بحر العلوم وأورده البعض في الموضوعات لان عيسى عليه السلام نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين ونبئ يوسف عليه السلام في البئر وهو ابن ثماني عشرة وكذا يحيى عليه السلام اوتى